تقرير موسع عن

قضية الناقلات والاستثمارات

والفساد والتعدي على الأموال العامة

 

 

بقلم: عبدالله النيباري

 

     قضايا الفساد والتعدي على الأموال العامة وأملاك الدولة كثيرة وذات أوجه متعددة وقد ازدادت منذ عقد الثمانينات وعلى الأخص مع الأسف الشديد بعد الغزو العراقي لوطننا الكويت وكأننا لم نتعظ بكارثة الغزو وازدياد حالات التعدي على أموال الدولة وأملاكها حصل بسبب تراخي الحكم والحكومة وعدم اتخاذ الإجراءات الحازمة وتطبيق القوانين على سراق المال العام والمعتدين عليه أيا كان موقعهم الاجتماعي ووضعهم السياسي مما أدى إلى إفلات حرامية المال العام من قبضة العدالة .

      كانت شركة ناقلات النفط قد اكتشفت بعد استبعاد علي الخليفة من الوزارة في منتصف عام 1991 بالصدفة أن المتهمين ارتكبوا أفعالاً مؤثمه جنائياً باختلاس أموال الشركة أثناء الحرب العراقية – الإيرانية ( 1981 – 1988 ) وأثناء غزو العراق للكويت واحتلالها.

وعندما اكتشف المسئولين لواقعة الاختلاسات وكان ذلك بعد عودة مجلس الأمة في أكتوبر 1992 وتولي النائب السابق علي البغلي حقيبة وزارة النفط وتسليمه ملف القضية. قام بدوره بعرض الأمر على سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد واستأذنه بإحالة الملف إلى القضاء فحظي بموافقة سموه. ومنذ ذلك التاريخ 6 يناير 1993 والقضية ما تزال في أورقة القضاء تتعثر وتنتكس كلما قطعت شوطاً نحو صدور الحكم . ومازال هذا التعثر والتأخر سراً غامضاً يستعصى على التفسير. وبالطبع فان ذلك يشجع على المزيد من التطاول على أموال الدولة وأملاكها ما دامت السلطة تغض الطرف أو تتواطئ مع هذه الحالات .

 

تولي الشيخ على الخليفة

وزارة النفط والمالية

 

في الفترة التي تولي فيها الشيخ على الخليفة الصباح

(1978 ـ 1991)

 

وزارة المالية ووزارة النفط وقعت تعديات خطيرة على الأموال والاستثمارات المدارة من الوزارتين من أهمها :-

1.  صفقة شراء شركة سانتافي الأمريكية عام 1982 بمبلغ 2500 مليون دولار بسعر 52 دولار للسهم في حين كان أعلي ما وصل إليه سعر السهم في السوق 22 دولار ، أي أن الشراء تم بضعف سعر السوق ، ثم أضيف إليها استثمارات في الشركة بلغت 2500 مليون دولار أخرى ليصبح إجمالي المال المستثمر في شركة سنتافي 5 مليار واكتشف ديوان المحاسبة خسائر بلغت 2500 مليون دولار في عام 1992 ، أي أن نصف المال المستثمر قد أهدر أو نهب فيما بعد جزئت الشركة وبيعت بخسائر كبيرة .

2.  صفقات شراء مصافي ومحطات توزيع النفط في أوربا عام 1982 بلغ الاستثمار فيها 2860 مليون دينار وقدر ديوان المحاسبة مقدار الخسائر فيها بمبلغ 1340 مليون دولار أي حوالي نصف المال المستثمر .

3.  الاختلاسات في شركة الناقلات وسنتعرض له بشيء من التفصيل .

4.  الاختلاسات في الأموال المستثمرة والمدارة من قبل مكتب لندن للاستثمار والتي قدرت بمليارات الدولارات .

 

قضيتي الاختلاسات في الناقلات والاستثمارات أحيلت للقضاء في الكويت ولندن إضافة إلى رفع قضايا في اسبانيا عن اختلاسات الاستثمارات وقد صدرت أحكام من القضاء البريطاني في كلا القضيتين بإدانة المتهمين عبدالفتاح البدر وحسن قبازرد ومحسن نسيم في الناقلات وفهد محمد الصباح وفؤاد جعفر في قضية الاستثمار وقضت الأحكام بتغريم المجموعة الأولى برد 137 مليون دولار ومجموعة الاستثمارات برد مبالغ تزيد على مليار دولار .

     وفي كلا القضيتين ادعي المتهمين المدانين بأن تصرفاتهم كلها بناء على تعليمات الشيخ على الخليفة العذبي ، الذي لم يحضر لأخذ أقواله فيما نسب إليه ، والقضيتان منظورتان أمام القضاء الكويتي والتهم جنائية قد تصل فيها الأحكام إذا أدين المتهمين إلى السجن مدة 40 سنة.

 

قضية الاختلاسات في شركة الناقلات

 

قضيتي الاختلاسات في شركة الناقلات والاستثمارات حظيت باهتمام كبيير بالنظر للظروف التي وقعت أثناءها ولتعثر نظرهما أمام القضاء وطول المدة التي مضت منذ رفعهما في الكويت (15سنة) دون الفصل فيهما.

 

قضية الاختلاسات في شركة الناقلات وكذلك سرقة الاستثمارات وقعت أحداثها في عقد الثمانينات لكن وكانت هنالك شكوك منذ ذلك الوقت، فقد وجه العضو حمد الجوعان أسئلة لوزير النفط على الخليفة آنذاك في مجلس 1985 إلا أن المجلس حل كما أثار أعضاء مجلس إدارة الاستثمار شكوك حول شبهات تمس إدارة مكتب لندن لاستثمارات الكويت لكن تلك الاختلاسات لم يفضح أمرها إلا بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي وعودة مجلس الأمة عام 1992 .

 

الإحالة إلى القضاء

 

بعد عودة مجلس الأمة عام 1992 توفرت أدلة ومستندات كثيرة في الاختلاسات في شركة الناقلات ومكتب لندن للاستثمارات وسنركز في هذا الموجز على شركة الناقلات.

      الاختلاسات في شركة الناقلات حدثت في أواسط الثمانينات واستمرت حتى أثناء فترة الغزو والطرق والحالات التي كانت تتم بواسطتها التالي :-

1.              المخزون الاستراتيجي النفطي .

أثناء الحرب العراقية الإيرانية كان يخشي تعرض البواخر التى تنقل النفط الكويتي للضرب وقد حدث ذلك فعلاً فتقرر بناء على اقتراح وزير النفط بناء مخزون استراتيجي في ناقلات عملاقة خارج الخليج في بحر العرب ، تنقل إليه شحنات النفط ببواخر أصغر حجماً .

      وما تم اكتشافه فيما بعد أن المتهمين تأمروا على اختلاس أموال مؤسسة النفط ، وذلك بقيامهم بتأسيس شركات ورقية أي وهمية لا وجود لها في الواقع ، تقوم بتأجير الناقلات بأسعار السوق ثم تعيد تأجيرها لمؤسسة النفط بأسعار تفوق أسعار التأجير الحقيقية والاستحواذ على فرق الأسعار ، وكان حجم المخزون الاستراتيجي المقرر بناؤه حولي 30 مليون برميل .

      وبعد اكتشاف هذه السرقة بالصدفة توسع البحث فتم اكتشاف وجود اختلاسات أخرى عن طريق الحصول على عمولات بتعاون مكتب كلاركسون وهو مكتب وساطة للعمليات البحرية وتشمل العمولات فروقات أسعار عقود بناء الناقلات وشراء ناقلات مستعملة بأسعار أعلى من أسعار السوق وبيع ناقلات بأسعار اقل من سعر السوق وكذلك عمولات تأجير الناقلات.

     وكشفت التحقيقات عن تحويل هذه الفروقات والعمولات في حسابات مصرفية متعددة في بنوك سويسرية ثم يتم تجميعها في حساب رقم 7730 في بنك البحرين والشرق الأوسط باسم عبدالفتاح البدر ومن هذا الحساب يتم توزيعها للشركاء في الاختلاسات ومنهم المتهم الخامس على الخليفة الصباح.

 

 

وزير النفط الأسبق

في النيابة العامة

 

بعد أحالة القضية للنيابة العامة في الكويت وإجراء التحقيق وبناءً على أقوال واعترافات المتهم حسن قبازرد وهو الوحيد المقبوض عليه وجه الاتهام إلى خمسة متهمين وهم (عبدالفتاح البدر رئيس مجلس إدارة الناقلات، وحسن قبازرد ومحسن نسيم وتيم كلفورد) المسؤولين في الشركة والى وزير النفط كمتهم من الخمسة.

أحيلت القضية لمحكمة الجنايات التي قررت فصل قضية الوزير وأحالتها إلى محكمة الوزراء وأصدرت حكمها على الأربعة الباقين بالسجن لمدة تصل إلى أربعين سنة ورد المبالغ المختلسة وغرامة ضعف المبالغ المختلسة مع الفوائد، وكان ذلك عام 1995.

 

حكم بلا تاريخ

 

ولكن للأسف الشديد هذا الحكم الذي كان يمكن أن ينصف الشعب الكويتي تم إلغاؤه من محكمة الاستئناف لخلوه من التاريخ إلى تاريخ جلسة إصدار الحكم، وأيدت محكمة التمييز حكم الاستئناف، وعادت القضية إلى المربع واحد، بتقديم بلاغات جديدة ضد المتهمين. وفي نفس الوقت قدمت دعوات قضائية في لندن ضد المتهمين الأربعة بدون الوزير وأصدر القاضي موربك في لندن حكماً بإدانة المتهمين وتغريمهم مبلغ 137 مليون دولار وكان ذلك في عام 1998.

 

وقد أدي صدور حكم في لندن في القضية وتعثر سيرها في الكويت أدي إلى حالة غضب وامتعاض وجرت مناقشات في مجلس الأمة ولجنة حماية الأموال العامة والتي على أثرها قدم الدكتور عادل الصبيح وزير النفط السابق في 29/5/2001 بالنيابة عن الحكومة وبموافقتها ونيابة عن الدولة والشعب بلاغا شكوى لمحكمة الوزراء ضد المتهمين الخمسة بمن فيهم الوزير السابق علي الخليفة وتضمن البلاغ 13 اتهاماً وأرفق به كشف قدمه عبدالفتاح البدر إلى المحكمة في لندن عن حساباته المصرفية تضمن تحويلات من الحساب رقم (7730) المفتوح باسمه في بنك البحرين والشرق الأوسط إلى المستفيدين مدعياً بأن كل التحويلات تمت بناءً على تعليمات وأوامر المتهم الخامس، وبلغ مجموع التحويلات 46 مليون دولار ذهب عشرة ملايين منها إلى حساب علي الخليفة.

 

لجنة التحقيق

 

منذ تاريخ تقديم البلاغ في 29/5/2001 أي منذ 6 سنوات ومازال التحقيق جارياً، وقد استدعت اللجنة مؤخراً المتهم الخامس لسماع أقواله في الاتهامات المنسوبة إليه، وحتى الآن عقدت اللجنة لهذا الغرض ثلاث جلسات مع علي الخليفة استغرقت أكثر من 12 ساعة، وما زالت الجلسات مستمرة.

ووفقاً لما أعلن في الصحافة المحلية أن لجنة التحقيق في محكمة الوزراء قد حصلت قبل شهرين على كشوف الحسابات المصرفية للمتهم الخامس علي الخليفة، الذي قام بدوره برفع دعاوي قضائية ضد رئيس لجنة التحقيق الدائمة بمحكمة الوزراء وضد وزير العدل وضد النائب العام وضد وزير النفط السابق عادل الصبيح وضد عبدالله حمد الرومي رئيس مجلس إدارة شركة الناقلات مدعياً بأن الاتهام المقدم ضده ما هو إلا اتهام ملفق وأن وراءه ضغوط سياسية ممن سماهم "بالعناصر الشريرة" في مجلس الأمة والصحافة، مطالباً بإسقاط القضية وشطبها وإجبار من ادعي عليهم بتقديم تعويض له نظير الإضرار المعنوية والمادية التي يدعي أنه تعرض لها. وهو أمر كان موضعا للاستغراب والاندهاش.

ويري المراقبون أن خطورة البيانات التي حصلت عليها النيابة ولجنة التحقيق هو ما يفسر موقف المتهم الخامس علي الخليفة والدعاوي التي تقدم بها والحملة التي تشنها صحيفته وموقف وزير النفط الحالي وعدد من أعضاء مجلس الأمة المدافعين عنه.

 

وقد أدي انحياز وزير النفط الحالي إلى جانب المتهم وهو قريبه وابن عمه وقال في تصريح لجريدة القبس أنه يعتبره أستاذه ومستشاره في القضايا النفطية ناسيا أنه بصفته وزيراً للنفط هو ممثل الحكومة في القضية ضد المتهم الخامس علي الخليفة، أدى ذلك التصريح إلي جلسة عاصفة في مجلس الأمة تعرض فيها الوزير للنقد الشديد من النواب وكذلك من قبل الكتاب الوطنيين في الصحافة. وادي إلى تقديم إعلان التكتل الشعبي والتكتل الوطني عن عزمهم على تقديم استجواب لوزير النفط ما لم يستقل. والقضية الآن أمام القضاء ملاذنا الأخير.